السيد كمال الحيدري
98
الإنسان بين الجبر والتفويض
ثَمّ تقسيم آخر للعلّة يصنّفها إلى علّة محدثة وعلّة مبقية . والمعتزلة خلطوا بين الاثنين ، فلو تنزّلنا وقلنا إنّ البنّاء هو العلّة الموجدة للبناء ، فهو علّة محدثة لا مبقية ، إنّما يبس العناصر المؤلّفة للبناء هي علّة بقائه « 1 » . من جانب آخر ثَمَّ وهم كبير يضرب الوصف الاعتزالي بقياس علاقة الواجب سبحانه بالعالم على علاقة البناء بالبنّاء ، أو ثَمَّ مغالطة على أقلّ تقدير نشأت من عدم التفريق بين ما بالذات وما بالعرض ، وأخذ ما ليس بعلّة علّة . ففعل الله سبحانه أجلّ من أن يكون مجرّد التأليف والتركيب ، بل فعله الصنع والإبداع وإنشاء الوجود والكون . وليس الإبداع والإنشاء تركيباً ولا تأليفاً ، بل تأسيس وإخراج من العدم إلى الوجود « 2 » . يمكن تقريب المعنى المقصود بين الحالتين بوجه ، من خلال المقارنة بين كلام المتكلِّم وكتابة الكاتب ، فإنّ الأوّل يشبه الإيجاد والثاني يشبه التركيب ، لهذا يبطل الكلام إذا ما سكت المتكلِّم ، أمّا إذا أمسك الكاتب فلا يبطل المكتوب ، ووجود العالم عن الله سبحانه كوجود الكلام عن المتكلِّم يصير عدماً إذا ما أمسك عنه فيضه لحظة واحدة . فعلى مستوى هذا المنطق ، ليس صحيحاً أنّ البنّاء هو العلّة الحقيقيّة في البناء ، وإذا ما تنزّلنا وسلّمنا أنّه كذلك ، فدوره لا يعدو أن يكون علّة محدثة دون العلّة المبقية ، وأخيراً هناك سذاجة واضحة في قياس علاقة العالم بالله بعلاقة البناء بالبنّاء .
--> ( 1 ) ينظر في ذلك : حاشية السبزواري على الحكمة المتعالية : ج 1 ، ص 220 ، رقم 1 . ( 2 ) للمزيد من التفصيل والإيضاح ، ينظر : الحكمة المتعالية : ج 1 ص 220 .